أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

244

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الهمز في الجميع إلا موضعين : في سورة الأحزاب لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ « 1 » لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا « 2 » فإنّ قالون حكى عنه في الوصل كالجماعة وسيأتي . فأمّا من همز فإنه جعله مشتقا من النبأ وهو الخبر ، فالنبيّ فعيل بمعنى فاعل ، أي : منبّيء عن اللّه برسالته ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول أي : إنه منبّأ من اللّه بأوامره ونواهيه ، واستدلّوا على ذلك بجمعه على نبآء ، كظريف وظرفاء ، قال العباس ابن مرداس : 513 - يا خاتم النبآء إنّك مرسل * بالخير ، كلّ هدى السبيل هداكا « 3 » فظهور الهمزتين يدلّ على كونه من النبأ ، واستضعف بعض النحويين هذه القراءة ، قال أبو علي : « قال سيبويه : « بلغنا أنّ قوما من أهل التحقيق يحقّقون نبيّا وبريّة ، قال : وهو رديء » ، وإنما استردأه لأن الغالب التخفيف » وقال أبو عبيد : « الجمهور الأعظم من القرّاء والعوام على إسقاط الهمز من النبيّ والأنبياء ، وكذلك أكثر العرب مع حديث رويناه ، فذكر أنّ رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال ؛ « يا نبيء اللّه » فهمز ، فقال : « لست نبيء اللّه » فهمز ، « ولكن نبيّ اللّه » ولم يهمز ، فأنكر عليه الهمز ، قال : « وقال لي أبو عبيدة : العرب تبدل الهمز في ثلاثة أحرف : النبي والبريّة والخابية وأصلهنّ الهمز » ، قال أبو عبيدة : « ومنها حرف رابع : الذّرّيّة من ذرأ يذرأ ، ويدل على أن الأصل الهمز قول سيبويه : إنهم كلهم يقول : تنبأ مسيلمة فيهمزون ، وبهذا لا ينبغي أن تردّ به قراءة الإمام الكبير . أمّا الحديث فقد ضعّفوه ، قال ابن عطية : « ممّا يقوّي ضعفه أنه لمّا أنشده العباس : « يا خاتم النبآء » لم ينكره ، ولا فرق بين الجمع والواحد » ، ولكنّ هذا الحديث قد ذكره الحاكم في المستدرك ، وقال : هو صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . قلت : فإذا كان ذلك كذلك فليلتمس للحديث تخريج يكون جوابا عن قراءة نافع ، على أن القطعيّ لا يعارض بالظني ، وإنما نذكره زيادة فائدة والجواب عن الحديث أن أبا زيد « 4 » حكى : « نبأت من أرض كذا إلى أرض كذا » أي : خرجت منها إليها ، فقوله : « يا نبيء اللّه » بالهمز يوهم يا طريد اللّه الذي أخرجه من بلده إلى غيره ، فنهاه عن ذلك لإيهامه ما ذكرنا ، لا لسبب يتعلّق بالقراءة . ونظير ذلك نهيه للمؤمنين عن قولهم : « راعنا » ، لمّا وجدت اليهود بذلك طريقا إلى السبّ به في لغتهم ، أو يكون حضّا منه عليه السّلام على تحرّي أفصح اللغات في القرآن وغيره . وأمّا من لم يهمز فإنّه يحتمل وجهين : أحدهما : أنّه من المهموز ولكن خفّف ، وهذا أولى ليوافق القراءتين ولظهور الهمز في قولهم : تنبّأ مسيلمة ، وقوله : « يا خاتم النبآء » . والثاني : أنه أصل آخر بنفسه مشتقّ من نبا ينبو إذا ظهر وارتفع ، ولا شك أن رتبة النبيّ مرتفعة ومنزلته ظاهرة بخلاف غيره من الخلق ، والأصل : نبيو وأنبواء ، فاجتمع الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء وأدغم ، كميّت في ميوت ، وانكسر ما قبل الواو في الجمع فقلبت ياء ، فصار : أنبياء . والواو في النبوّة بدل من الهمز

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 50 ) . ( 2 ) سورة الأحزاب ، آية ( 53 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 95 ) قصيدة رقم ( 31 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 126 ) ، المقتضب ( 1 / 162 ) ، اللسان « نبأ » . ( 4 ) سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج أبو زيد الأنصاري روى له أبو داود والترمذي وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين البغية ( 1 / 582 - 583 ) .